هل تعتبر الحرف اليدوية – كالحياكة – مفيدة للصحة على المدى البعيد؟

هل تعتبر الحرف اليدوية – كالحياكة – مفيدة للصحة على المدى البعيد؟

الحرف اليدوية
هل تعتبر الحرف اليدوية – كالحياكة – مفيدة للصحة على المدى البعيد؟ Photo credit: Bigstock
shareEmail this to someonePin on Pinterest1Share on Google+0Tweet about this on TwitterShare on Facebook149

تقول “أماندا ماسكاريلي”:

عندما أمسكتُ صنانير الحياكة لأول مرة في حياتي؛ أي منذ سنتين، لم أتخيل أن هذه الهواية ستجعل حياتي مفعمة بالحيوية والنشاط!.. لم يكن من السهل تعلّم الحياكة.. ولكن عندما احترفتها أدمنتها؛ بشكل إيجابي.. فقد ساعدتني في الكتابة وفي التعامل مع إحباطات الأمومة!.

لطالما أدرك الحرفيين القيمة العلاجية لمثل هذه النشاطات كالخياطة وحياكة “الكروشيه”. (فمثلًا أظهر استطلاع ضم أكثر من 3.500 خيّاطة حول العالم سنة 2013 أن 81.5% منهنّ أحسسن بسعادة أكبر بعد الانتهاء من حياكة شيء ما).

ولكن كيف للحرف اليدوية كالخياطة أن تؤمن لنا فوائد صحية صعبة المنال على المدى البعيد؟!..

تقول المعالِجة المهنية “شارون غوتمان” في جامعة كولومبيا في نيو يورك: “لقد استخدم المعالِجين المهنيين الأنشطة المحفزة للعقل كهذه الحرف من أجل تخفيف عوارض الاكتئاب والمساعدة على إدراة المهمات بشكل أفضل عند الأشخاص المصابين بداء باركنسون”.

وفي عام 2007 قامت كل من “غوتمان” و”فيكتوريا سكيندلر” بدراسة شملت المؤلفات العلمية التي تحلل القاعدة العصبية التي تفيد بأن الهوايات والأنشطة لها علاقة وطيدة بالصحة والسعادة، ووجدتا أن القيام ببعض الأنشطة مثل الفنون والحرف اليدوية وعزف الموسيقا والتأمل والقيام بإصلاحات المنزل والقراءة تحفز العقل وتقلل من آثار الأمراض الناتجة عن التوتر وتبطّئ حدوث ضعف الإدراك.

لكن الباحثين قد بدأوا بفهم القاعدة العصبية تلك والسبب الذي يجعل تلك الأنشطة مفيدة للعقل: ففي دراسة نُشرت عام 2012 قام بروفيسور علم الأعصاب والطبيب النفسي “يونس غيدا” بالتعاون مع زملائه في عيادة مايو في الولايات المتحدة بدراسة تأثيرات الأنشطة المختلفة مثل الحياكة وحشو اللحاف واللعب عند 1.321 من الكبار، حوالي 200 منهم يعانون من ضعف إدراكي معتدل؛ أي مرحلة متوسطة بين الشيخوخة والخرف.. وجدت تلك الدراسة أن أولئك الذين مارسوا الحرف اليدوية والنشاطات الحاسوبية واللعب وقراءة الكتب كانوا أقل عرضة للضعف الإدراكي المعتدل بنسبة 30% إلى 50% من أولئك الذين لم يمارسوا هذه النشاطات.

ولاحظ “غيدا” أن الأنشطة مثل الحرف اليدوية بإمكانها أن تساعد في بناء مخزون احتياطي من الإدراك والقدرة على تحمل ومقاومة الكثير من تعدّي المواد الكيميائية الضارة على الدماغ وتراكُم البروتينات الضارة فيه.. كما أشار إلى بعض الدراسات التي أجريت على الحيوانات والتي تُظهر أن الفئران والجرذان الذين عاشوا في بيئات غنية بالعجلات الدائرة والألعاب كانوا كذلك أكثر قدرة على مقاومة مشاكل الإدراك مثل الخرف والزهايمر.

تقول “غوتمان”: “إن أحد الأسباب التي تجعل تلك الأنشطة مفيدة هو أن القيام بها يشغل العديد من فصوص الدماغ – الفص الأمامي (ومهمته التفكير بالمكافآت والانتباه والتخطيط)، الفص الجداري (والذي يعالج المدخلات الحسية والتجوال في الفراغ)، الفص القذالي (والذي يعالج المعلومات المرئية)، الفص الصدغي (ومهمته تخزين الذكريات وتفسير اللغات والمعاني)، والمخيخ (وهو مسؤول عن تنظيم دقة وتوقيت الحركات). فاستدعاء كل هذه المناطق في الدماغ يحفز اتصال الأعصاب ببعضها ويجعلها تعمل بشكل أسرع وأكثر فعالية، فكلما استخدمنا هذه الاتصالات مع تقدمنا في العمر كلما بدت أكثر صحة وكلما حافظنا على عمل أدمغتنا وتجنبنا الكثير من الأمراض مثل الخرف”.

إلى الآن، لا يوجد سوى حفنة صغيرة من الدراسات التي سبرت الإمكانات العلاجية للحرف اليدوية. ويوجد إحدى الدراسات التي كانت على شكل استفتاء 38 من النساء الذين دخلن المشافي بسبب فقدان الشهية، حول حالتهنّ الصحية بعد أن تعلّمن مهارات الحياكة. فبعد ما يعادل ساعة و20 دقيقة من الحياكة في اليوم على مدى ثلاثة أسابيع، أعلن 74% منهنّ عن خوف أقل وانشغال أقل بمشاكل الأكل لديهنّ، وأعلنت نفس النسبة أن الحياكة كان بمثابة مهدئ لهنّ، وأكثر من النصف قلن بأن الحياكة منحتهنّ إحساسًا بالفخر والرضا والإنجاز.

كما أنه يوجد الكثير من المقولات التي تدل على تأثيرات الحياكة المفيدة للصحة، فعلى سبيل المثال، مشروع “نيتويل” غير الربحي في منطقة “مكلين” في فيرجينيا – والذي يقوم بتوفير تعليمات الحياكة لكل من مقدّمي الرعاية وطاقم المشفى والمرضى وأقارب المرضى – وجد أن المساهمين في الحياكة “أقل قلقًا ويملكون إحساسًا عاليًا بالإنجاز عندما ينهون حياكة قطعة ما” كما تقول “كارول كاباروسا” مؤسسة هذه المجموعة. وتقول أيضًا: “إننا نعمل مع الكثير من الأمهات الجدد اللاتي وضعن أطفالًا خُدّج ولن يتمكنَّ من حضن أولادهنّ لأسابيع بعد الولادة، ولكنهن يستطعن حياكة القبعات لهم، الأمر الذي يمنحهنّ إحساسًا رائعًا بالفخر والأمومة”.

وتقول البروفيسورة المساعدة في الطب النفسي السريري بجامعة كولومبيا في نيويورك “كاري بارون” والتي شاركت في تأليف كتاب “العلاج المبتكر: كيف تبني السعادة بيديك الاثنتين”: إن الحركات الإيقاعية للحياكة توفر الكثير من الفوائد التي تتأتّى من ممارسة التأمل، بالإضافة إلى أن رؤية النتيجة النهائية للعمل الحرفي تزوّد بإحساس عميق بالرضا، فعندما يكون لدينا هدف مؤكد للحياة يختطفنا من أجل أن نعمل عليه بشكل إيجابي، فإنه  دواءً مضادًا للاكتئاب”.

سأتذكر كل هذا الكلام في المرة القادمة عندما أخفق في مشروع حياكة شيء ما. لأنه من الجيد أن يتم تذكيرك أن عملية الحياكة بحد ذاتها – وليس النتيجة النهائية – هي ما يهم في الأمر.

 

المقال مترجم من واشنطن بوست

ترجمة: نور الهدى المصطفى

 

SIMILAR ARTICLES