الفصل الواحد والثلاثون معركة الطعام

الفصل الواحد والثلاثون
معركة الطعام

0 1999
النحافة السمنة تغذية الطفل النحيف
shareEmail this to someonePin on Pinterest0Share on Google+0Tweet about this on TwitterShare on Facebook0

.

أضحك كثيرًا عندما تدخل علي صديقتي الأم ومعها طفل يكاد ينفجر من الصحة والعافية والوزن الزائد وتكون شكواها:

– ابني لا يأكل!

ويجب علي أن أسألها وأعيد السؤال حتى أتأكد من المعلومة التي تقولها.. و التي تكون في أغلب الأحوال أنه لا يأكل ما تريده أن يأكل ولكنه يأكل ما يريده هو. وهذا يعني أن الطفل ليس مصابًا بنقص في الشهية.. ولكنهتا قصة أخرى! ولنبدأ القصة من أولها:

من أين تبدأ مشكلات التغذية؟

والإجابة في الغالب أن هذه المشكلة غالبًا تنشأ من اندفاع الأم وإضرارها على تغذية طفلها كما تعلم أن السنة الأولى في عمر الطفل تختلف اختلافًا كليًا عن بقية السنوات.

ولو عرفنا أن الطفل في نهاية السنة الأولى يبلغ وزنه ثلاثة أضعاف وزنه عند الولادة ثم يزيد فقط من كيلو ونصف كيلو إلى اثنين كل سنة من السنوات التي تلي السنة الأولى. يكون سهل علينا إدراك الاختلاف في كمية الطعام بين السنة الأولى وغيرها.

فغالبصا تكون وظيفة الصغير في الأشهر الأولى أن يأكل ويشرب وينام.. ولكن بعد ذلك تختلف كثيرًا.

والشهية أيضًا تختلف باختلاف الأطفال.. فكل منهم يأتي إلى الدنيا بقدر من الشهية يلائم جسده الصغير وتكوينه.

وتولد مع الطفل أيضًا غريزة العناد إذا أرغم على عمل لا يريده.. وغريزة القرف من طعام لا يعجبه. ولذلك فعندما ترغم الأم طفلها على أكل الطعام الذي لا يحبه وتفضله هي تنخفض شهيته وقد يفقدها كليًا.

وتبدأ أيضًا مشكلات الشهية بعد مرض الصغير إذ تحاول الأم أن تدفع الطعام في فمه أملاً في أن يستعيد مما فقده من وزنه أثناء المرض بأسرع مايمكن وقبل عودة شهيته الطبيعية.

واعلمي يا صديقتي الأم أن من نعم الله على الصغير أنه يفقد شهيته أثناء المرض.. وبالذات إذا كان المرض مصحوبًا بارتفاع في درجة الحرارة.. لأن هضم الطعام نفسه وعملية التمثيل الغذائي ترفع درجة حرارة الطفل نصف درجة مما يزيد من معاناة الطفل.

والله سبحانه وتعالى يعوض الغصير بعد المرض فيسترد الوزن الذي فقده بسرعة شديدة في أيام قليلة جدًا.

ومشكلة نقص شهية الطفل تثير قلق الأم جدًا وتشعر بالذنب وتأنيب الضمير وأنها أم غير صالحة.

وهذا القلق والإصرار على إطعام الطفل رغمًا عنه يصيب الصغير بنقص في الشهية من التوتر والقلق الذي ينقل إليه من الأم.

ولتعلم الأم أن الله سبحانه وتعالى جعل داخل الطفل جهازًا حساسًا يعلمه بمقادير الطعام والأصناف التي يحتاجها جسده ونموه الطبيعي. ومن النادر أن يحدث نقص الشهية المؤقت أي أضرار أو أمراض سوء تغذية مزمنة.

وتشكو بعض الأمهات من نحول أطفالهن.

ونظرتنا نحن في الشرق لأجسام أطفالنا تختلف اختلافًا كبيرًا عن نظرة العالم المتقدم.

وكأم كنت أحيانًا أشعر أن صغاري يميلون إلى النحافة حتى فوجئت في أثناء إحدى سفرياتي معهم إلى الخارج أن مقاييسهم تتناسب تمامًا مع المقاييس العالمية للطفل المثالي بل وتزيد في بعض الأحيان.

فلا يجب علينا أن ننظر للسمنة ولامتلاء البدن على أنهما من علامات الصحة فهذا ليس صحيحًا.

وهناك أطفال ورثوا النحول عن آبائهم أو أمهاتهم.. ومنذ الصغر لم تبخل عليهم أمهاتهم بالطعام وهم لا يشكون من أي مرض أو توتر عصبي ومع ذلك يرفضون تناول الطعام بكثرة وبالذات الأطعمة الدسمة.

ولا تمثل النحافة مشكلة إذا كانت مصحوبة بشعور بالتعب أو الإرهاق.. ولكن إذا كان النحول مصحوبًا بذبول أو إرهاق فإنما يمثل مشكلة، وبالذات إذا بدأ الطفل في فقد المزيد منالوزن.. هنا يجب على الأم معرفة السبب وعلاجه.

ويكون علاج الطفل النحيل بطبيعته في بعض الأحيان هو تقديم الطعام بين الوجبات لأنه بطبيعته لا يستطيع أن يكمل وجبة واحدة على أكمل وجه في نفس الوقت هو مستعد للأكل على دفعات قليلة متعددة.

وهناك أطفال أصحاء وشهيتهم جيدة ويأكلون جيدًا ولكن لا يزيدون في الوزن لارتفاع التثميل الغذائي عندهم. فالطبيعة شاءت له أن ينمو هكذا..

ومشكلة أخرى قد تؤرق الأم، هي مشكلة الصغير الذي لا يرغب في تناول أصناف جديدة من الطعام.. ويصر على تناول أصناف معينة فقط.. ويرفض مجرد لمس الأصناف الجديدة.

فعليك أن تستمري في تقديم الأصناف التي يفضلها الصغير حتى لو تتكرر يوميًا أو أكثر من مرة في اليوم. ومن آن إلى آخر على الأم عرض الأنواع الجديدة على الصغير بصورة عفوية وبدون تركيز على تناوله لها.. وبالتدريج سوف يحاول تناولها.

ودعي الطفل يأكل بالقدر الذي يريده من الصنف الذي يشاء، ما دام الطعام مفيدًا ومغذيًا.

وأيضًا تظاهري بأنه لا يعنيك إذا كان قد أكل من هذا الصنف أو ذاك فالصغير يراقب الأم وفي كثير من الأحيان يريد أن يلعب لعبته المفضلة معها ويختبر قلقها عليه وعلى تناوله للطعام.

وعلى الأم أيضًا أن تقدم كمية قليلة من الطعام وألا تجري وراء الصغير في كل حجرة أو في الحديقة في محاولات مستميتة لأن ينهي الكمية كلها. ولا تعزمي عليه بالمزيد، بل اجعليه يطلب هو المزيد إذا كان يريد.

وظاهرة أخرى قد تقابلها الأم هي إصرار الطفل على قيام الأم بتأكيله بنفسها.

وهذا طبيعي خلال السنة الأولى.. ولكن استمراره إلى العام الثاني أو الثالث ظاهرة غير صحية والطفل الذي يلقي تشجيعًا صحيحًا يبدأ بالاعتماد على نفسه بل ويتمتع بذلك بعد السنة الأولى.. وإذا استمرت الأم في إطعامه حتى السنة الثالثة أو الرابعة مع وجود قلقها عليه وعلى كمية الطعام، فالطفل يتعود ويألف هذا العمل ويصبح من البدهيات ومن علامات ودلائل الحب والاهتمام.. حتى أنها إذا توقفت عن تأكيله يستشعر الطفل بالحرج.. وبأنها تهمله ولا تريده وهذا نفسه يؤدي إلى نقص الشهية المؤقت فيرفض الطفل الطعام لمدة ثلاثة أيام أو أكثر كنوع من الاختبار للأم.

وعادة لا تستطيع الأم تحمل هذا فتعود إلى إطعامه بنفسها وينتصر الصغير في معركة الطعام.. ويدرك قوته كطاغية صغير.. ويدرك ضعف الأم نحوه فيكون نقص الشهية سلاحًا يستعمله وقت أن يريد.

ولذلك فعلى الأم تمرين طفلها على إطعام نفسه بنفسه مع إتمام عامه الأول.

وتبدأ الأم في هذا بالتدريج بأن تقدم له الطعام وتنسحب من أمامه، وإذا أحجم عن إطعام نفسه فعليها ألا تضعف وتبدأ في تجويعه وسوف يطلب الطعام، ويجب ألا تلجأ الأم لأسلوب الرشوة في عرض الطعام على الطفل الصغير كوعده بالحلوى أو الخروج إلى النادي.

ويجب أن يحترم الصغير وقت الطعام فلا يصبح وقتًا للهو أو التهريج.

ويجب اختصار مدة الطعام فلا تطول إلى ساعات تضيع دون جدوى مقابل بضع ملاعق صغيرة يأكلها الصغير دون شهية في مقابل الرشوة.

أما الطفل الذي يستمر يأكل الطعام المهروس بعد العام الأول فهذه ظاهرة مؤقتة ولا تستمر.. ويجب أن تصبر عليها الأم وتزيد من ليونة الطعام بإضافة الشوربة أو اللبن حتى يسهل ابتلاعه.. وبالتدريج سوف يتقبله.

وعند وصول الصغير إلى سن الحضانة أو المدرسة تصبح الأم الآن عليمة بميول طفلها وبالأطعمة التي يمكن أن تسبب له ضررًا أو حساسية.

والتغذية السليمة يجب أن تصبر عليها الأم وبالذات أثناء الدراسة فالطفل الصغير معرض لضغوط جسمانية تلزمه بالاستيقاظ مبكرًا والنزول مع نسمات الصباح الباردة والتعرض لأطفال من بيئات مختلفة.. كل يأتي إلى المدرسة حاملاً أشكالا وألوانًا من الميكروبات والفيروسات.. ومع الفصول الدراسية المغلقة وبالذات التي تكتظ بالأطفال الصغار نجد أن العطسة الواحدة تطلق كمية ضخمة من الميكروبات تعدي الجميع.

فإذا كانت مناعة الطفل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحالته الغذائية.. ولذلك يجب أن تكون عين الأم على أحبائها الصغار.. بالذات مع انتشار ظاهرة الأطعمة الجديدة التي استوردناها من الدول الغربية.. والتي استغنى عنها الغرب الآن ورجعوا إلى الطعام الطبيعي الصحي.. فانتشار الهمبرجر والأطعمة ذات الطابع السريع مثل السجق والشيبس ومما يطلق عليه الأمريكيون طعام «الخرابات» يجب على الأم الوقوف في وجه تيار هذا النوع من الطعام غير الصحي.

ويجب أن تعلم الأم أن إصرارها أحيانًا على احتواء طعام الطفل على مجموعات كثيرة ومدمجة لا يتمشى مع طبيعته السريعة القلقة ويفقده الشهية ويجب أن يحتوي طعام طفلك على الآتي.

أولاً: الخبز

تصر بعض الأمهات على إعطاء الطفل هذا الساندوتش الممل من الخبز الأبيض غير المفيد الذي يصيب الأمعاء بالكسل فهو يصنع من الدقيق الأبيض الذي يخلو من الردة والأملاح الطبيعية التي يفقدها أثناء عملية تنقيته.

ويحدث نقص مادة الماجنزيوم وأيضًا فيتامين «ب» للطفل بسبب عدم احتواء طعامه على الخبز الأسمر الذي يحتوي مع الردة على هذه المكونات الهامة.

وفيتامين «ب» هو فيتامين أساسي في عملية التمثيل الغذائي للمواد النشوية فيؤدي نقصه إلى مشاكل في الهضم وشعور بالوهن والضعف عند الطفل.. وأحسن خبز تقدمينه لطفلك هو الخبز الأسمر البلدي الجميل الذي يحتوي على الردة والممتلئ بفيتامين «ب».

ثانيًا: المواد النشوية والسكريات:

يجب على الأم ألا تعود أطفالها على أخذ كميات كبيرة من السكريات والنشويات والمكرونة والبيتزا والأرز.. وهناك بدائل أحسن مثل العدس والفول والكشري.

ثالثًا السوائل:

أجمل مشروب للطفل هو «الماء» الذي يجب علينا التأكد من أنه حصل على كمية وفيرة منه. أما المشروبات الغازية والعصائر المعلبة فأغلبها به مواد حافظة وسكريات تزيد على احتياج الصغار.

واحتواء المشروبات على مادة «الكولا» يسبب توترًا شديدًا بالذات للأطفال تحت سن عشر سنوات.

وفي البلاد الغربية تعتبر الأمهات المشروبات التي تحتوي على «الكولا» مثل الخمر.

أما قضية اللبن وشرب اللبن فهذه أحيانًا معركة يومية بين الأم والصغار.. ولا ننصح بأعطاء الطفل كوب اللبن التقليدي أثناء الوجبات كما تصر الأمهات.

فإعطاء اللبن مع الطعام يغلف الطعام بطبقة تلتف حول الطعام وتمنع العصارات الهضمية من الوصول إلى الطعام.

ولذلك فشرب اللبن أثناء الطعام هو وصفة مضمونة لإحداث سوء الهضم، والصغير في كثير من الأحيان يشعر بذلك.. ويصرخ لأن معدته تؤلمه عند شرب اللبن مع الطعام.. ولكن من يسمع؟

فالأم تعتقد أنه نوع من الهروب من شرب اللبن مع الطعام.. وللكن من يسمع؟؟

فالأم تعتقد أنه نوع من الهروب من شرب اللبن المفيد. وأحسن ميعاد لشرب اللبن هو في الصباح على معدة خاوية. ومن الأفضل أن يكون ساخنًا أو دافئًا.. وبعد أن يشرب الطفل اللبن.. تمر فترة يرتدي الطفل خلالها ملابسه ويستعد.. ويتبع ذلك وجبة الأفطار..

وتسأل الأم وماذا إذا رفض الطفل كوب اللبن التقليدي؟ هناك كثير من البدائل.. مثل أنواع الجبن والزبادي والمهلبية وأي منتج من منتجات اللبن بديل عنه إذا كره الطفل شرب اللبن.

رابعًا: البروتينات:

يجب عدم الإكثار من اللحوم الحمراء، وإعطاء الطفل الأسماك والطيور والبروتينات النباتية.

ويجب أيضًا عدم الإكثار من البيض لاحتوائه على نسبة عالية من الكوليسترول غير المستحب في المستقبل.

ويجب عليك إتباع الآتي لنجاح معركة الطعام بعد معرفة هذه المبادئ:

– تحاشي كثرة النشويات حتى لا يرهق الجهاز الهضمي للطفل.

– تحاشي المجموعات التقليدية التي تصر الأم على إعطائها معًا وهي ما تسمى بالطعام المتكامل.

فلا تصري على إعطاء الطفل في كل وجبة بروتين ودهون ونشويات وفاكهة، فهي مجموعات لا يصح أن تجتمع في كل وجبة.. ولا يستطيع جهاز الطفل الهضمي تحمل كل هذا مرة واحدة.

–         بين الوجبات يجب تحاشي السكر والأطعمة التي تحتوي عليه.

وفي الغروب تعتبر الأم أنك تؤذين طفلها عند إعطائه الشيكولاتة أو الحلوى وتعتبرها إساءة.

وتعويد الطفل على تجنب السكر الكثير في الطعام يبدأ منذ المهد.. فيجب عليك عدم إعطائه أي شيء محلى بالسكر في عامة الأول.

ويجب على الأم معرفة أن الصغير البريء في المجتمعات الصناعية هدف إعلاني. وعليها إقناع الطفل في التجاه المضاد حتى لا يصبح الطفل مدمنًا للإعلان وعليه شراء ما شاهده فيه.

ويجب على الأم أيضًا معرفة أن كثرة السكر يحدث نقصًا في فيتامين «ب» ولذا فكثرة احتواء طعام الطفل على المواد السكرية تشعره بعدم النشاط والخمول ويبدأ الطفل في استعمال مخزون جسده الصغير من هذا الفيتامين.

ويكون نتيجته أيضًا عدم التركيز في المدرسة وعدم القدرة على استرجاع ما تعلخم.

وقد يحدث للصغير أيضصا نوع من أنواع الاكتئاب وفي النهاية يكره المدرس والدراسة.

– تأكدي من احتواء جسد الصغير على القدر الكافي من مادة الحديد وهذا عن طريق عمل اختبار صغير للدم لمعرفته نسبة الهيموجلوبين في دم الصغير. ونقص الحديد الطفيف يؤثر أيضًا على تركيز الطفل لأنه جزء مهم جدًا من انزيمات المخ المسئولة عن التركيز والتعلم وجمع المعلومات.

وعلاج نقص الحديث سهل عن طريق المركبات التي تحتوي على الحديد.

صديقتي الأم:

تغذية طفلك مهمة صعبة ولكن أساسية واجعليها متعة بدلاً من كونها معركة بينك وبين الصغير الحبيب والمنتصر أولاً وأخيرًا أنتما معًا.

 

د. نانسي عبد العزيز سليمان

أستاذ طب الأطفال

جامعة عين شمس

 

 

*جميع الحقوق محفوظة

 

NO COMMENTS

Leave a Reply