الفصل الحادي عشر الفطام وهذا المدمن الصغير

الفصل الحادي عشر
الفطام وهذا المدمن الصغير

0 1033
الفطام الرضاعة الطبيعية كيف الرضيع
shareEmail this to someonePin on Pinterest0Share on Google+0Tweet about this on TwitterShare on Facebook0

.

لا تنزعجي فلا أعني هنا بالإدمان إلا إدمان اللبن، وبالذات لبن الأم، فكما اتفقنا من قبل يولد الطفل وهو يبحث بغريزته عن هذا الينبوع المتدفق ويعرف رائحة اللبن ويترك رائحته على ثدي الأم. ويكفيه هذا اللبن كمصدر للغذاء شهورًا قليلة يبدأ بعدها الجسد الصغير في النمو ويحتاج إلى أنواع أخرى من الطعام بجانب لبن الأم.

 

ولا نعني بالفطام المعنى الدارج ألا وهو منع الطفل عن ثدي الأم، فالفطام يعني في لغة طب الأطفال ادخال أنواع جديدة من الطعام تختلف عن لبن الأم بالتدريج.

 

ويسهل على أي أم عصرية تعيش في القرن العشرين أن تحصل على أنواع من الطعام المصفى والمخفوق والمجفف لإطعام طفلها.

 

ولكن لكي تفهم الأم المعنى الحقيقي للفطام وأسلوبه سنعود معًا إلى الماضي البعيد إلى القبائل البدائية وننظر إلى ما كانت تفعله الأم عند إحساسها باحتياج طفلها الصغير إلى طعام آخر غير لبن ثديها.. كانت الأم في هذه القبائل تستعمل طريقة في الفطام تسمى «قبلة الطعام».

 

وما هي هذه القبلة المغذية؟

كانت الأم تملأ فمها بالطعام وتقوم بمضغه أو طحنه تمامًا كالخلاط وعند إحساسها بنعومة ملمس الطعام كانت تضع شفتيها على شفتي طفلها وهي تحمله وتضغط الطعام برفق إلى داخل فم طفلها تمامًا كالبزازة.

ولكن كيف تكون استجابة الطفل؟

يحس الطفل الصغير أن الأم وهي مصدر الأمن والأمان لن تفعل شيئًا لضرره فيستجيب لها بأن يبدأ في امتصاص هذا الطعام المجهز في فمها كأحسن ما يكون الطعام المعلب المغلف.

وتستمر هذه الطريقة إلى جانب الرضاعة من ثديها فتأخذ الأم طفلها بالتدريج إلى أنواع جديدة من الطعام اللين ويفقد التصاقه بثدي الأم على مدى الأيام كمصدر غذائه الوحيد.

 

لننظر إلى هذه الطريقة السهلة المتدرجة الرقيقة في الفطام وهي فطرية وطبيعية وتقارن بما تفعله الأم العصرية التي دائمًا في عجلة من أمرها فتكاد تقذف بالطعام في وجه الطفل وبعصبية بالغة تأتي إليه بالمعلقة الجامدة التي لا يحبها وترغمه على أخذ الطعام.. فيكره هذه النوعية وهذه الطريقة وتخسر الأم الجولة!

أما عن توقيت الفطام فكانت نساء القبائل تبدأ قبلة الطعام في سن ثلاثة أو أربعة أشهر. وحديثًا وجد أنها السن المعقولة للبداية والآن ينقسم أطباء الأطفال إلى قسمين:

 

قسم ينصح باستمرار الرضاعة الطبيعية أو الصناعية إلى سن ستة أشهر.. وأتباع هذه المدرسة يقولون إن الطفل ما دام لا يحتاج إلى مصادر أخرى لمادة الحديد فاللبن سواء لبن الأم أو أحد البدائل الصناعية سيكون مصدرًا كافيًا للغذاء خلال هذه الشهور الأولى. ويدافعون عن استمرار الرضاعة فقط حتى هذه السن بأن القدرة على التعامل مع الأطعمة الصلبة لا توجد إلا بعد ستة أشهر.

 

ومن عيوب هذه المدرسة أنه في بعض الحالات يتعلق الصغير بالثدي أو بزجاجة اللبن ويصبح من الصعب جدًا إدحال أطعمة جديدة إلى فمه ويصبح هذا الطفل الصغير ما نطلق عليه «مدمن لبن».

وهذا نوع من الإدمان كوسيلة واحدة كمصدر طعام.

أما المدرسة الثانية فهي ترحب بإعطاء أنواع جديدة من الطعام من أول الشهر الرابع ولكن بكميات قليلة وبالتدريج.

 

ويستحسن أن تبدأ الأم بالطعام عن طريق بزازة خاصة تنتهي بملعقة من البلاستيك حتى نجمع بين الأكل عن طريق الامتصاص وعن طريق المضغ.. ولكي يندفع الطعام إلى فم الطفل في سيل متدفق لا ينقطع مقارب للبن. لأن الطفل يزهق من تقطع الطعام ويميل إلى الامتصاص المتواصل وبذلك يشعر بالشبع.

 

والمشكلة في إدخال أنواع جديدة من الطعام كشوربة الخضار مثلاً أو التفاح المهروس أو الحبوب المطحونة ليست في أن الطفل لا يعجبه طعم هذه المأكولات كما يبدو عندما يكون رد فعله بصق هذا الطعام.

 

وهو لا يبصق الطعام لأن طعمه لا يعجبه.. ولكن الحقيقة هي أنه لا يستطيع استعمال لسانه جيدًا؛ لأنه في الأشهر الأولى غير مطلوب منه إلا الابتلاع اللبن السائل.. أما عند إدخال الطعام الصلب بالملعقة.. هنا يصبح على الطفل أن يستعمل لسانه لنقل الطعام إلى الحلق، ولذلك قد يحرك اللسان الطعام إلى الخارج بدلاً من إدخاله إلى داخل الحلق وتبدأ المعركة بين الأم والطفل وينثر الطعام الصلب هنا وهناك أو تكتئب الأم لأنها لا تستطيع دفع طفلها إلى أكل الطعام الصلب.

 

وهنا يجب أن تتعامل الأم بالصبر وتتعلم من الأم البدائية في أدغال أفريقيا فهي تجعل من ميعاد إطعام طفلها متعة لها وله. ولا أقول لك امضغي الطعام وأعطيه لطفلك.. ولكن حاولي أن تتمتعي بأكبر قدر من الصبر.

 

وأذكر أنني كنت أجد متعة في إطعام أطفالي الأحباء حبات العنب من الفم إلى الفم تشبها بالعصفورة الأم التي تفتح لها أفواه الأحباء الصغار لاستقبال ما جاءت به لهم من طعام.

 

ومعلومة أخرى أؤكدها للأم التي تفتقد الصبر لأن صغيرها لا يستطيع المضغ أو ابتلاع الأطعمة الصلبة وهي أنها مرحلة ستنتهي.. ومن منا الآن لا يستطيع المضغ أو ابتلاع الأطعمة الصلبة ولكن ليس كل طفل مثل الآخر ولذلك لا تحدد سنًا معينة لبداية الطعام ولكن:

 

شاهدي طفلك وادرسيه واختاري له الميعاد المناسب لبداية معركة الفطام.

 

 

د. نانسي عبد العزيز سليمان

أستاذ طب الأطفال

جامعة عين شمس

 

 

*جميع الحقوق محفوظة

 

NO COMMENTS

Leave a Reply